القوا خيرهم وأبقوا شرهم وهاهم أولاء يركبون البحر طلباً للنجاة!
خمسة رجال وامرأتان والربان وملاحان.
قطعت السفينة في الماء فرسخاً فاطمئن القوم، وتراءى لهم أن السلامة باتت مضمونة..
أما رئيسهم مديد القامة، فقد دأب على التنقل وإصدار الأوامر..ولكن شيطانهم تخلى عنهم، والله لم يشأ، على شأنه-أن يرحمهم، فقد هبت عاصفةٌ هوجاء فاقتلعت الصارية الكبيرة ومع ذلك، فما روعتهم المفاجئة، وكانت حالتهم أشبه بحالة مشفٍ استنشأ النفس الأخيرة براحة فأيقن أن الوعكة زالت!!
واحدٌ منهم وخط الشيب رأسه أختلف رأيه-واحدٌ وخط الشيب رأسه واستسلم للتفكير-كان هذا الكهل مطرقاً يتأمل، وكان يشعر بالندم، ويرمق الربان بنظرةٍ متفحصة..كانت عيناه تقولان: " تلك هي المشيئة، وسنتحمل عاقبة جرائرنا... لقد بدأنا الشر، وللشر بقية لا تعود إلا مع بادئه! "
كان الاثنان-الشيخ والربان-في شغلٍ عن الجميع بأفكارهما. فالأول كان يرفع رأسه إلى الأفق المكفهر، والثاني يطيل التحديق إلى اللجة المزبدة..
وكأنهما يحاولان أن يستشفا الغيب!
ودنا رئيس العصابة من الربان وابتدأه قائلاً:
أي الرجال هذا؟؟
إنه أطولهم باعاً
وما هي لغته ؟؟
يلم بلغة الناس كافة
ما ذا يعلم من شؤون الدنيا ؟؟
كل شئن..
يعرف ما يجهله الناس
ما اسمه ؟؟
لا اسم له، ويكنى بالمجنون
وأنت تدعوه كذلك؟؟
أنا ؟!
كلا.. بل اسميه الحكيم
ما هي مكانته بينكم ؟؟
المرشد والملهم والعليم
أتدري أني أرى فيه لغزاً ؟
أتدري أنه مرآة صافية ؟؟
وشقة السفينة طريقها في اليم، وعاركت الأمواج، استسلمت لها مكرهة فتقاذفتها كأنها كرة..
وعبثت بها، فاهتزت..
ارتعشت القلوب. وتكاثف الظلام
وهدرت المياه
وزمجر الإعصار
وناح ملاك
وقهقه شيطان !!
أما المجنون أو الحكيم فجمد في مكانه، لا يحول عينيه عن جهة الشمال..
ودنا الربان منه، وجعل يتأمل فيه ولا يدري، أيحترمه أم يزدريه؟
أيتجاهله أم يعترف بوجوده ؟؟
وقال أخيراً : لي كلمةٌ معك يا سيدي
قال: تكلم.. فكلي أذان صاغية
ما دمت كذلك فعندي سؤال
سل ما بدا لك
أفي حوزتك جهاز الارتفاع والانخفاض ؟
كلا
وكيف يتسنى لك معرفة مركزك في البحر ؟؟
لنا نحن الأسبان خبرةٌ ودراية في الملاحة
على أن الليل بهيم فكن متحذراً ومحترساً
ليطمئن بالك، فلست من الجهلة
وكم ميلاً في الساعة تجري السفينة؟
خمسة أميال
إلى أين نقصد بها ؟؟
إلى مكان يقع بين ليولار و سان سبستيان
كن متيقظاً، فالهواء المتجه في تيار يسبب تجاوباً في البحر !
لا تقذع في البحر، فهو يسمع ويعي.. وهو غضوب حقود
أتؤمن بالخرافات ؟؟
قد يكون ذلك، وما عليك الآن إلا أن تصرف في المراقبة جهدك
لن تغمض لي عين..وإننا الآن مبتعدون عن التيارات..
وصمت الشيخ ثم رفع رأسه، وما كاد يفعل حتى قطب فزعاً، وتمتم: " كنت أتمنى على الله أن تكذب نبوءتي، ولكن .... "
وأخلد ثانية للصمت، وحدد طرفه في بقعة داكنة صغيرة، وما عتم أن قال " أنظر .. أنها تقترب! "
قال الربان: " أوضح يا هذا! "
فأشار الرجل بيده وأجاب: " أما ترى تلك الغمامة "
مع تحيات/// شعيـــــر